المرحلة الذهبية
الحياة سلسلة كتل مرحلية عشرينية. لماذا قد تكون مرحلتك الثالثة أهم عشرين سنة في حياتك — ولماذا من المهم أخذها بجدية؟
This post is the Arabic version of The Golden Block — read it in English here
قبل سنوات، تجاوزت الأربعين. تغيّر شيء ما في طريقة تفكيري، لم أستطع تسميته في البداية. كان أشبه بحكّة فلسفية متنامية يظهرعلى السطح في لحظات السكون ويطالب بإجابات
بدأت أطرح على نفسي أسئلة لم أطرحها من قبل. أسئلة غير “ما القادم؟ ماذا بعد الان؟” — هذي أسئلة رافقتني طوال حياتي. كانت الأسئلة هذي المرة مختلفة. أثقل. أكثر عمقا. أسئلة مثل: لماذا أعمل ما أعمله؟ ماذا أريد فعلاً؟ لو أعدت تصميم حياتي من الصفر، كيف سأختار؟
لماذا. وماذا. وكيف. بهذا الترتيب
جلست مع هذه الأسئلة فترة طويلة. قرأت. خضت محادثات طويلة مع أشخاص أثق بهم. وفي مكان ما في المشوار، بدأ إطار يتشكّل — طريقة لرؤية بنية الحياة جعلت تلك الاسئلة مفهومة نوعا ما. تحول المخاض إلى شيء يمكن التعامل معه
هذا المقال هو محاولتي لمشاركة ذلك الإطار. ليس خطة تطوير ذاتي. وليس قائمة أهداف. هو أقرب إلى خريطة — وحين تراها، ستفهم أين أنت الآن، ومن وين بدأت، وكم من الوقت أمامك لتبني شيئ… يعني لك شيئ
النافذة التي سوف أصفها حقيقية. ومحدودة. وهي مفتوحة لمن يرى نفسه فيها
أولاً، نرسم خريطة بسيطة لحياتك
يعيش الإنسان في المتوسط بين سبعين وثمانين سنة. بعضهم أقل، وبعضهم أكثر. لكن لو تأملت شكل أي حياة سترى نمط واضح بشكل لافت
الحياة، في جوهرها، أربع مراحل، كل مرحلة منها تقريباً عشرين سنة
لنسمّي كل مرحلة بما تستحق
“المرحلة الأولى (من ٠ إلى ٢٠): مرحلة “ما يجب فعله
لم تختر والديك، ولا بلدك، ولا لغتك، ولا دينك، ولا ظروفك الاجتماعية، ولا مدرستك الابتدائية، ولا أصدقاءك الأوائل، ولا الصدمات او التجارب التي مريت فيها، ولا المعتقدات الأساسية التي شكّلت نظرتك للعالم
كنت، بكل معنى الكلمة، راكب في سيارة ما تسوقها
شخص آخر ربط لك حزام الأمان. شخص آخر اختار الوجهة. ثم أنزلوك عند حافة الرشد وقالوا، بشكل أو بآخر: يلا، الآن دورك تقود
الاختيارات هذي لا تختفي عند بلوغ الثامنة عشر. بالعكس تتصلّب. اللغة التي تفكّر بها. القصص التي تؤمن فيها عن نفسك. مخاوفك و امالك. تعريف “النجاح” الذي تمّ تثبيته في داخلك قبل أن تكون لك كلمة فيه. كل ذلك يرافقك، أمتعة خفية لا تعرف حتى أنك تحملها
المرحلة الأولى هي الأساس. أساسات بنائية ما “صبيتها” بنفسك. لكنك جالس تبني عليها
“المرحلة الثانية (من ٢٠ إلى ٤٠): مرحلة “ما تحتاج فعله
الآن أنت من يقود، اسمياً على الأقل. مبروك! لكن فعليا؟ ليس بعد
لأن الاختيارات التي صُنعت في المرحلة الأولى هي “مسارات” قائمة تسير عليها المرحلة الثانية
تختار جامعة، لكن من قائمة شكّلتها درجات حصلت عليها في مدرسة لم تخترها. “تختار” مسار مهني، لكن في الغالب من الخيارات المتاحة لشخص مثلك، بخلفية كخلفيتك. “تختار” شريك لحياتك، لكن من خلال عدسة أنماط تشكّلت أغلب الظن قبل أن تتعلم المشي
المرحلة الثانية هي مرحلة الاحتياجات. ليس الاحتياجات بمفهوم ماسلو — وإن كان ذلك أيضاً — بل الاحتياجات بمعنى الإلتزامات الخارجية. تحتاج أن تبني نمط و سيرة معينة. تحتاج أن تُثبت نفسك — للمؤسسات، للشركاء، للأهل، لأصوات في رأسك صنعتها المرحلة الأولى
هناك سعادة كبيرة في المرحلة الثانية، لا تفهمني خطأ. كثيراً ما يقع الناس فيها في الحب، ويجدون أصحابهم و دائرتهم، ويكتشفون ما يتقنون، ويبنون شيء حقيقي. لكن الحقيقة الصادقة هي أن معظم الناس في المرحلة الثانية يُشغّلون برنامج لحياتهم كتبه شخص آخر أو المجتمع في معظمه
أنت تلعب “لعبة”. وبدأت للتو تتساءل اذا كنت تحبها
“المرحلة الثالثة (من ٤٠ إلى ٦٠): المرحلة الذهبية — “ما تريد فعله
هنا يبدا شيء يتغيّر
الحاجة إلى إثبات نفسك للاخر تبدأ في فقدان قبضتها عليك. المسار المهني وعوامل الحياة الأخرى تستقر — أو لا تستقر، لكن في كلا الحالتين رأيت ما يكفي لتعرف أنك قادر على الصمود. الأصوات الملحّة من المرحلتين الأولى والثانية تهدأ قليلاً
وفي ذلك المحيط، يظهر شيء جديد و تحويلي
مساحة. مساحة حقيقية. مساحة لتسأل ماذا تريد فعلاً. مساحة لتلاحظ ما كنت تتحمّله. مساحة لتتساءل إن كان المسار الذي أنت عليه هو ما كنت ستختاره لو كنت تعرف ما تعرفه الآن
هذه هي المرحلة الثالثة. وهي، بكل المقياس تقريباً، أكثر مراحل حياتك إثارة وأهمية
السبب؟ في المرحلة الثالثة، تمتلك للمرة الأولى المكوّنات الكاملة بشكل عالي أكثر من أي وقت
الخبرة. عشت ما يكفي لتفهم كيف تسير الأمور فعلاً — كيف يتصرف الناس حقاً، كيف تعمل المنظمات في الواقع، ما الذي يستطيع المال شراءه وما لا يستطيعه، كيف شكل الخسارة، وكيف شكل البناء، وتكلفة الخطأ في ما يهمّك
الموارد. ليس الأصول فقط بل الموارد بمعناها الأعمق: المهارات، والعلاقات، والمصداقية، والوضوح حول ما تجيده
الاستقلالية. القيود الخارجية للمرحلة الثانية تتراخى. باتت لديك سيطرة أكبر على وقتك، واختياراتك، واتجاهك أكثر من أي وقت مضى
الصحة. بلغت من العمر ما يكفي لتكون حكيماً نوعا ما، وما زلت في عمر يمكّنك جسدياً من فعل ما تريده تقريباً. هذه النافذة — حيث تتعايش الحكمة والحيوية معاً — ثمينة وأقصر مما تبدو عليه
اجمع هذه الأربعة معاً وستجد شيئاً نادراً: إنسان قادر، للمرة الأولى، على اتخاذ قرار حقيقي حر و مستقل نوعا ما بشأن كيفية يعيش حياته — وعنده فعلاً القدرة على التنفيذ
المرحلة الثالثة هي تقاطع القدرة والاستحقاق. حين يصبح سؤال “ماذا أريد فعلاً؟” قابلاً للإجابة وقابلاً للتنفيذ في آنٍ واحد
وهذا بالضبط يجعلها مثيرة ونوعا ما مربكة
لماذا تبدو المرحلة الذهبية كأزمة، وهي ليست كذلك
الحقيقة المزعجة عن هذي المرحلة حين تكتمل فجأة: انها محيّرة بعض الشيء
المرحلتان الأولى والثانية مريحة بطريقة غريبة. ليست دائماً. لكنهما منظّمة. هناك دائماً شيء تالٍ واضح نوعا ما. درجة تالية. ترقية تالية. محطة تالية. الطريق مرسوم. لا تحتاج أن تقرر إلى أين تذهب؛ تحتاج فقط أن تستمر في السير
المرحلة الثالثة تمزّق الخريطة
وأول ما يفعله معظم الناس اذا اختفت الخريطة هو التساؤل و الحيرة. يتركون أعمالهم “ليجدوا أنفسهم”.أو يهيمون بين مسارات مجهولة لا يعرفون إن كانوا يريدونها فعلاً. يفعلون أي شيء، أي شيء، ليستعيضوا عن الزخم الذي فقدوه فجأة
هذا ما تسمّيه الثقافة أزمة منتصف العمر. لكن هذا الإطار خاطئ. هي ليست أزمة. هي لحظة مواجهة
السؤال ليس “هل أخطأت بالوصول هنا؟” السؤال هو: الآن بعد أو صلت الى الاستطاعة أن أفعل ما أريد — ماذا أريد؟
هذا سؤال جوهري. كثير منا يصلون إليه حول الأربعين لا عند العشرين لأننا كنا في أول عشرين سنة من حياتنا مشغولين بالبقاء و السير أكثر من أن نتوقف ونسأله بجدية
مأساة السؤال الذي لم يُجب عليه
هنا تصبح الأمور صعبة نوعا ما
كثير من الناس لا يجيبون على هذه الاسئلة أبداً
يشعرون بمجيء و ثقل السؤال. يحسّون بالدعوة لاجابته. ثم — لأن السؤال صعب، ولأن الإجابة غير مؤكدة، ولأن تغيير المسار محفوف بالمخاطر وربما بشيء من الإحراج — يفعلون شيئاً أسهل بكثير
يمدّدون المرحلة الثانية
يستمرون في فعل ما يحتاجون فعله. أو ما يظنون أنهم يحتاجون فعله. أو ما يتوقعه منهم الآخرون. يبقون على المسارات القائمة حتى بعد أن تنقطع، لأن المسارات على الأقل تبدو وكأنها شيء ما.
ثم تأتي المرحلة الرابعة
المرحلة الرابعة (من ٦٠ إلى ٨٠): مرحلة الحصاد
المرحلة الرابعة هي حيث تحصد ما زرعته المراحل الثلاث السابقة
إن أعطتك المرحلة الأولى أساساً متيناً، وبنت المرحلة الثانية عليه شيئاً حقيقياً، وأتاحت لك المرحلة الثالثة أن تصحّح المسار وتضاعف الرهان على ما يهمّك فعلاً — فالمرحلة الرابعة يمكن أن تكون استثنائية. حصاد مثمر. الرضا العميق لحياة تبدو منطقية حين تتأملها. علاقات لها عمق لأنك استثمرت فيها. عمل له معنى لأنك اخترته. صحة تصمد لأنك اعتنيت بها. ذات داخلية تشعر أخيراً بأنها ذاتك
لكن إن أُهدرت المرحلة الثالثة — إن بقي السؤال دون إجابة، إن رُفضت الدعوة — تصبح المرحلة الرابعة شيئاً آخر. ليست بالضرورة تعيسة. لكنها خفيفة الوزن. نوع من الاستمرار في السير وسط ضباب يصفه كثير من الناس في أواخر الستينيات
الندم، في الغالب و بنهاية المطاف، ليس على ما فعلته. بل على ما لم تفعله حين كانت لديك الفرصة
المرحلة الثالثة هي تلك الفرصة
إذاً. ماذا تريد… فعلاً؟
عجز أو تردد معظم الناس عن الإجابة على “ماذا أريد؟” ليس بسبب أنهم لا يعرفون. بل لأنهم لم يمنحوا أنفسهم الإذن بالمعرفة
الإجابة في الغالب ليست مخفية. هي موجودة منذ فترة. هي الشيء الذي تفكّر فيه في رحلات الطيران الطويلة حين لا يراك أحد. هي الشيء الذي كنت تفعله قبل أن تصبح مشغولاً ومسؤولاً. هي الشيء الذي كنت ستفعله الآن لو لم تكن قلقاً على ما سيقوله الناس عنك
“السؤال ليس “ماذا أريد؟” السؤال هو: “هل أنا مستعد لأخذ ذلك بجدية؟
لأن المرحلة الثالثة لا تدوم إلى الأبد. لا شيء يدوم
إن كتب الله لك، ستحصل على قرابة عشرين سنة في المرحلة الذهبية. عقدين من ذروة كل شيء — الخبرة، والاستقلالية، والصحة، والموارد، والحرية. عقدين لبناء الحياة التي كنت ستبنيها لو كنت تعرف في العشرين ما تعرفه الآن
عشرين سنة تبدو كثيرة. لكنها ابدا ليست كذلك و ستمر بسرعة. اسأل أي شخص في المرحلة الرابعة
الإذن الذي لم تعرف أنك تحتاجه
ما توصّلت إليه بعد أن جلست مع هذه الأسئلة طويلاً بما يكفي
لحظة المواجهة في منتصف العمر ليست أزمة. هي حياتك تطلب منك أخيراً أن تكون حاضرا بوعي فيها
لمدة عشرين سنة، فعلت ما يجب. ولعشرين سنة فعلت ما تحتاج. والآن، للمرة الأولى، يمكن لك أن تفعل ما تريد — ما تريده فعلاً، كإنسان بلغ أشده وعنده معرفة حقيقية بنفسه وبالعالم
هذه ليست مشكلة أو أزمة بحاجة تحلّ. هذه هدية تُفتح
افتحها. ليس العام القادم. وليس بعد أن يكبر الأولاد. وليس حين تهدأ الأمور. (الأمور لا تهدأ. الأمور لا تهدأ أبداً. انتظار الهدوء هو أحد أعظم أساليب العقل البشري في تسويف الحياة.)
الآن. اطرح السؤال الآن. اجلس معه. خذه بجدية. دعه يكون صعباً. دعه يفاجئك
أمضيت عشرين عمرك الأول وأنت تُشكَّل بقوى خارجة عن إرادتك. وأمضيت عشريناتك التالية تبني شيئاً تحت ثقل الالتزام و الاحتياجات. لقد استحققت — ولديك الآن النافذة — لتفعل شيئاً ما مختلف تماماً
المرحلة الذهبية لك لأن تخوضها أنت.. السؤال الوحيد هو ماذا ستبني فيها؟





